ما أثقل غياب الضمير الحي في زمن تُقايض فيه أرواح البسطاء بحواجز البيروقراطية وقوانين المنظومة الصحية الباردة! بين عشية وضحاها، تحول اسم الدكتور رشيد شرقاب -المعروف في أوساط الأحياء الشعبية بـ”طبيب الفقراء”- إلى حديث الشارع المغربي وقضية رأي عام أثارت الكثير من السخط والاستنكار. فقد وجد هذا الطبيب الإنساني نفسه نزيلًا قسريًا خلف أسوار سجن “عكاشة” الشهير بالدار البيضاء، لا لجرور اقترفها في حق الوطن، بل لذنب واحد لا يُغتفر في عُرف المؤسسات البيروقراطية: أنه تجرأ على مداواة مريض محتاج دون الاستئذان من كاهل “المنظومة البيروقراطية” وإجراءاتها المعقدة.
في الوقت الذي تعاني فيه المستشفيات العمومية من خصاص مهول في الأطر الطبية، وتتكدس فيه طوابير المرضى المنتظرين لأبسط الفحوصات، اختار الدكتور رشيد شرقاب طريقًا مختلفًا؛ طريق النبل المهني والالتزام الأخلاقي الذي يُعلي من قيمة الإنسان فوق كل اعتبار.
لقد أُدخل شرقاب السجن لأنه استجاب لنداء الواجب الإنساني، ورفض أن يقف مكتوف الأيدي أمام مريض يصارع الألم بانتظار ورقة ترخيص أو مسطرة إدارية عقيمة. لقد فعل ما تمليه عليه مبادئه الطبية والإنسانية: فحص، وعالج، وأنقذ حياة روح كانت على شفير الهاوية. لكن، في عالم تُدار فيه الصحة بمنطق المكاتب المغلقة وحسابات الربح والخسارة، أُعتبر هذا الفعل “خروجاً عن النص” وتمردًا على منظومة تُفضل أحياناً تطبيق النصوص العمياء على إنقاذ الأرواح.
إن إيداع طبيب يكرس وقته وجهده لخدمة المعوزين والطبقات الهشة خلف زنازين سجن عكاشة يُشكل رسالة سلبية ومحبطة لكل الشرفاء والأطر الطبية التي ما زالت تحمل شعلة الضمير المهني. إنها مفارقة مؤلمة أن يُتابع قضاءً من يداوي، بينما ينعم الفاسدون والمهملون بفضفاض الحصانة والحرية.
الفقراء والبسطاء الذين كانوا يجدون في عيادة الدكتور رشيد ملاذاً آمناً وبلسماً لآلامهم دون إثقال كواهلهم بفواتير باهظة، هم اليوم أول الخاسرين بغيابه القسري. إنهم يشعرون بأن سجن طبيبهم هو في الحقيقة محاكمة لكل إنسان حر يرفض الاستسلام لمنطق الجشع والتهميش.
إن قضية الدكتور رشيد شرقاب ليست مجرد ملف قضائي عابر، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة مؤسساتنا على الانتصار للعدالة الإنسانية والاجتماعية. إننا أمام محك أخلاقي يفرض على كل الضمائر الحية، من جمعيات حقوقية، وهيئات مهنية، وإعلام وطني، الوقوف بحزم إلى جانب هذا الطبيب النبيل.
المطلوب اليوم ليس فقط إطلاق سراح الدكتور رشيد شرقاب ورد الاعتبار لكرامته المهنية والإنسانية، بل فتح ورش جاد ومسؤول لتطهير المنظومة الصحية وإصلاح أعطابها البنيوية، بدل معاقبة الشرفاء الذين يعوضون خصاصها المستديم بدم قلوبهم وإنسانيتهم.
فمتى تُدرك العقول المشرعة للقوانين أن أقدس مهنة على وجه الأرض هي إنقاذ حياة إنسان، وأن الإنسانية لا تحتاج إلى تأشيرة بيروقراطية كي تُمارس عملها؟









