أسبوع الفرس بالجديدة يعري عشوائية المراسلين: نحو صحافة جادة أم هروب نحو الإثارة؟

حسن نونسي17 أكتوبر 2026آخر تحديث :
أسبوع الفرس بالجديدة يعري عشوائية المراسلين: نحو صحافة جادة أم هروب نحو الإثارة؟

 

أثبتت المبادرات الميدانية الأخيرة أن حماية الفضاء الإعلامي لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت طوق نجاة لصورة التظاهرات الكبرى والمؤسسات الوطنية. وفي هذا السياق، شكل قرار الجهات المنظمة لفعاليات بارزة مثل “أسبوع الفرس بالجديدة” الامتناع عن منح شارات التغطية (البادجات) للمراسلين الهواة أو غير المعتمدين، خطوة جريئة ومحمودة؛ فهي تعكس حرصاً بالغاً على صيانة القيمة الرمزية والوطنية والدولية للحدث، وتأكيداً راسخاً على الرغبة في الانفتاح حصراً على الأقلام والكفاءات الإعلامية التي تملك أدوات التغطية الرصينة والمسؤولة. إن هذا الحزم التنظيمي يُعلن بوضوح أن القطع مع العشوائية والابتذال بات شرطاً أساسياً لترقية المشهد الإعلامي وحماية الصورة العامة للوطن.

غير أن تتبع الواقع الراهن لبعض المنابر الرقمية وبعض ما يسمى بالمؤثرين ،وهم الأكثرية ، على مواقع التواصل  يُبدي مفارقة صارخة ومؤلمة؛ فبينما يفترض أن تخضع عملية صناعة الخبر واختيار المراسل الميداني لمعايير دقيقة تحكمها الكفاءة والنزاهة وأخلاقيات المهنة، تتسع الشاشات والمنصات لأشخاص يفتقرون أبسط مقومات الصياغة التحريرية والرؤية المعرفية. ومثل هذا التساهل المؤسف لم ينبثق من فراغ، بل تقف خلفه إستراتيجيات تجارية ضيقة تُديرها مقاولات إعلامية جرت وراء السراب الماراثوني لنسب المشاهدة، وحصد التفاعلات السريعة عبر البث المباشر المبتذل والمحتوى المستهلك، هاربة بذلك من التكلفة المالية للاستثمار في الكفاءات المهنية والمقاولات الإعلامية الحقيقية.

ولا شك أن هذا التمييع المستشري يخلّف تداعيات كارثية تتجاوز حدود المؤسسات المتسببة فيه، لتطال جوهر الرسالة النبيلة للصحافة وتغتال كرامة  الصحفي الملتزم وتقضي على المقاولة الإعلامية الجادة. فعندما يغيب التكوين وتتربع الإثارة الوضيعة على عرش الحقيقة، تتفشى ظواهر مشينة كالتشهير والإبتزاز، وانتهاك الخصوصيات الفردية، وترويج الأخبار الزائفة، وهو ما يُغذي بدوره انهياراً تدريجياً في ثقة المواطن بصوت الإعلام.

وأمام هذا التحدي المصيري، تبرز الحاجة الملحة لإعادة الاعتبار للمهنة عبر تفعيل صارم للقوانين المنظمة للقطاع، ودعم التوجهات الميدانية المماثلة لخطوة “أسبوع الفرس بالجديدة”، بحيث يقتصر الاعتماد على الطاقات المؤهلة؛ صوناً للفضاء العام من الانزلاق نحو الابتذال، وتكريساً لحق المجتمع الأصيل في إعلام جاد، نزيه، و مسؤول.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: لايمكن النسخ !!