بقلم: ذ. نورالدين لعزيز
كما العادة، تشكل خطب صاحب الجلالة لحظة سياسية دقيقة، ترسم مسارات استراتيجية لمستقبل بلادنا في مختلف المجالات، بسبب عمق ودقة التوجهات التي تحملها، لذلك لا غرابة من حجم التفاعل الداخلي والدولي الإيجابي مع مضمون خطاب العرش الأخير، لاسيما في علاقته مع الدبلوماسية الملكية الحكيمة في الدفاع عن وحدتنا الترابية، أو من خلال رسم علاقات حسن الجوار مع الدول الشقيقة، وكذا الموقف الراسخ للمملكة المغربية في دعم الشعب الفلسطيني في التمتع بكافة حقوقه المشروعة.
وفي هذا السياق؛ جاء خطاب العرش لهذه السنة بتوجهات وبأجوبة دقيقة، لقضايا ظلت تؤرق بال الفاعلين السياسيين والحقوقيين ، لهذا يعد خطاب عيد العرش 2025 وثيقة محورية تعكس رؤية جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده لمرحلة متجددة في تاريخ المغرب، ترتكز على الاستقرار السياسي والاقتصادي، العدالة الاجتماعية، الجهوية المتقدمة، الحوار الإقليمي، والمؤسسات الديمقراطية.
هو أكثر من تأكيد بل هو إطلاق لجيل توازن فيه النمو والتقدم الاجتماعي، بجعل المواطن في قلب هذه المسيرة.
–تجديد روابط البيعة والولاء الوطني
افتتح جلالة الملك الخطاب بتأكيد العلاقة الروحية والتاريخية بين العرش والشعب معتبرًا عيد العرش مناسبة لإعادة تجديد “روابط البيعة والانتماء الوطني” التي تجمع الأمة حول القيادة العليا.
–إشادة بالمسار التنموي والنهضة الاقتصادية
ركز الخطاب السامي على النمو القوي في فترة ما بعد 2014، حيث تضاعفت الصادرات الصناعية مع بروز قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية كدعائم للاقتصاد الوطني.
كما أشاد جلالته بتطوير البنية التحتية المهمة منها مشروع القطار فائق السرعة من القنيطرة إلى مراكش والمشاريع ذات الطابع الاستراتيجي في الأمن المائي والغذائي والطاقة.
–العدالة المجالية والتنمية الاجتماعية
رغم التقدم نوه جلالة الملك بوجود تفاوتات مجالية واضحة خصوصًا في المناطق القروية داعيًا إلى إحداث “نقلة حقيقية” في التنمية المجالية الاجتماعية بتفعيل برامج تنموية جهوية متكاملة قائمة على الخصوصيات المحلية والجهوية المتقدمة.
حدد الخطاب أربعة محاور: -التشغيل المحلي
–الخدمات الأساسية (تعليم وصحة)
–تدبير الموارد المائية
–مشاريع التأهيل الترابي المدمجة.
–مؤشر التنمية البشرية والعمل الاجتماعي
أشار جلالة الملك إلى تراجع نسبة الفقر متعدد الأبعاد من 11.9% سنة 2014 إلى 6.8% سنة 2024، ووصول المغرب إلى فئة “الدول ذات التنمية البشرية العالية”.
وأكد أن مسيرة التنمية لا تُقاس بالأرقام فقط بل بمدى الفُرَص الحقيقية التي توفرها للمواطنين كافة.
–الانتخابات التشريعية والتحضير المؤسسي والديمقراطي
شدد جلالة الملك في خطابه السامي على الالتزام بإجراء الانتخابات التشريعية المقبلة في موعدها الدستوري في حدود 2026 داعيا إلى اعتماد توفير منظومة قانونية ومؤطرة للانتخابات تكتسي التشاور السياسي الشفاف قبل نهاية 2025.
–السياسة الخارجية والانفتاح الإقليمي
أطلق صاحب الجلالة دعوةٍ واضحة إلى الجزائر الشقيقة من أجل حوار مسؤول وصادق انطلاقًا من “اليد الممدودة” للمغرب وإيمان جلالة الملك بأن الوحدة المغاربية لن تتحقق دون تعاون مغربي-جزائري حقيقي.
كما شدد على دعم المغرب لـمبادرة الحكم الذاتي في قضية الصحراء مع شكر خاص للمملكة المتحدة والبرتغال على موقفهما البناء ودعمهما للشرعية المغربية.
خلاصة
يوصف الخطاب اليامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بأنه وثيقة تعاقدية بين العرش والشعب تحمل أبعادا دستورية ورؤيوية، تأكيدًا على الحاكمية الملكية كضامن للاستقرار وتحريك للإصلاح السياسي والاقتصادي.









